-
- إنضم
- 6 يناير 2022
-
- المشاركات
- 24,719
-
- مستوى التفاعل
- 11,420
- مجموع اﻻوسمة
- 13
إقرأ وارتقي

اقترن شهر رمضان بالقرآن، وذلك لأنه الشهر الذي أنزل فيه، قال تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ [البقرة: ١٨٥]
واقتران رمضان بالقرآن له صلة بفرض الصيام فيه، فالصوم من أقوى الأسباب في إزالة العلائق البشرية الحاجبة عن رؤية الأنوار الإلهية المبثوثة في القرآن، ولهذا فإن المناسبة والصلة بين الصوم وبين نزول القرآن عظيمة.
فلما كان رمضان مختصاً بنزول القرآن؛ فقد كان لازماً أن يكون مختصاً بالصوم، لأن الصوم هو أنسب حالات الإنسان لتلقي هدى الله المنزل في القرآن.
والآيات تشعرك بأن من أعظم مقاصد الصوم، تصفية الفكر لأجل فهم القرآن، فبعد الحديث عن فرضية الصيام ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾ [البقرة : ١٨٣ ]، جاء الحديث عن تنزل القرآن في رمضان ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ [البقرة : ١٨٥] ليكون شهر رمضان مختصاً بالصيام لأجل القرآن، وكان الصيام لأجل القرآن، ولا عجب بعد ذلك أن يقال عن رمضان شهر القرآن.
وقد فهم سلفنا الصالح هذا المعنى جيداً، وعلموا أن وظيفة رمضان الكبرى هي الاعتناء بالقرآن، والقيام بالقرآن والصيام لأجل تخلية الذهن للقرآن.
فعلى المسلم الراجي رحمة ربه الخائف من عذابه - أن يُكثر من تلاوة القرآن الكريم في رمضان وغيره؛ تقربًا إلى الله تعالى، وطلبًا لمرضاته، وتعرُّضًا لفضله وثوابه، فإن القرآن الكريم خيرُ كتابٍ أُنزل على أشرف رسول إلى خير أُمة أُخرجت للناس بأفضل الشرائع وأسمحها وأسماها وأكملها.
بين الاتباع والإعراض: طريق النجاة أو الشقاء
أُنزل القرآن؛ لكي يقرأه المسلم ويتدبَّره، ويتفكر في معانيه وأوامره ونواهيه، ثم يعمَل به، فيكون حجة له عند ربه، وشفيعًا له يوم القيامة، وقد تكفَّل الله لمن قرأَ القرآن وعمِل بما فيه - ألا يَضِلَّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
قال تعالى: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ [طه: 123]، وليحذَر المسلم من الإعراض عن تلاوة كتاب الله وتدبُّره والعمل بما فيه، وقد توعَّد الله المعرضين عنه بقوله: ﴿ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا ﴾ [طه: 100]، وبقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 124].
ولذلك جعل ابن القيم رحمه الله أول سبب من الأسباب الجالبة للمحبّة والموجبة لها، وهي عشرةٌ:
أحدها: قراءة القرآن بالتّدبُّر والتّفهُّم لمعانيه وما أُريد به، كتدبُّر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهَّم مراد صاحبه منه.(1)»
اقرأ القرآن وارتقِ:
منازلُ أهلِ التلاوة
ومع امتنان الكريم المنان - سبحانه - على عباده بالإذن في مناجاته والنظر في كلماته، فقد امتن عليهم أيضاً بأن أعطاهم أعظم المنازل على ذلك، فقال سبحانه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) ﴾ [فاطر: 29-30].
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا»(2)
عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ - وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ - فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟
فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى
قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟
قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا.
قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى،
قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ عز وجل وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ.
قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ قَدْ قَالَ: إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ»(3).
أهلُ القرآن:
أهلُ الله وخاصّتُه
وقد اصطفى الله تعالى لنفسه أهل كتابه التالين له، والعاملين به، فجعلهم أهله وخاصته.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ،
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ هُمْ؟
قَالَ: "هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ»(4)
رمضان:
بدايةُ العهدِ مع القرآن
إن اهتمامك - أخي الصائم - بالقرآن في رمضان، تلاوة ومدارسة، ينبغي أن يكون بداية لتصحيح المسار مع القرآن، حتى تكون من أهله الذين هم أهل الله وخاصته وحتى لا تكون من الهاجرين له المستجلبين غضب ربهم وشكوى رسولهم لله. ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]
الوردُ القرآني:
سُنَّةٌ مهجورة
فليكن لك بالقرآن في رمضان، ورد أو حزب تستمر به بعده، حتى تكون من أهل الذكر، لا من أهل الهجر، فتحزيب القرآن سنة لكنها مهجورة كادت تضيع، وقد كان شأن السلف مع القرآن أن يحافظوا على قدر ثابت من القراءة كل يوم يسمونه حزباً أو ورداً، أو جزءاً يوصلهم إلى ختم القرآن في كل شهر مرة، أو كل أسبوع مرة، أو كل ثلاثة أيام مرة، وأصل السنة في ذلك:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ »(5).
وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - يتأسون برسول الله ﷺ في تحزيب القرآن.
وعن الأسود، قال: قالت عائشة إني لأقرأ جزئي، أو قالت: حزبي، وإني لمضطجعة على السرير.»
ليالي رمضان ومجالس مدارسة القرآن
اهتمام السلف بتلاوة القرآن في رمضان كان له شأن آخر، فقد كان يسمع لهم به في بيوتهم دوي كدوي النحل .
وإذا كان رمضان بتمامه زماناً شريفاً للتلاوة والذكر، فإن لياليه أنسب لذلك فهي أرق في الشعور وأدق في التدبر.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.(6)»
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، وحفظنا إياه، وذكرنا منه ما نسيناه، وعلمنا منه ما جهلناه، وارزقنا تلاوته، وتدبر معناه، والعمل بمقتضاه، على الوجه الذي تحبه وترضاه، وارفعنا به الدرجات، وكفر عنا به الخطيئات، وألبسنا به الحلل، وأسكنا به الظلل، واجعله نوراً في وجوهنا، ونوراً في صدورنا، ونوراً في قبورنا، ونوراً وذخراً لنا يوم نلقاك يا رب العالمين.
وختامًا
شارك هذه الفائدة مع إخوانك، وكن سببًا في إحياء الهمم. ولا تنسَ أن تترك تعليقًا بدرسٍ استفدته، فالدالّ على الخير كفاعله.
«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
______
(1) مدارج السالكين (3/ 381)
(2) (حسن صحيح) سنن أبي داود (1464) والترمذي (2914)
(3) صحيح مسلم (817)
(4) (صحيح) سنن ابن ماجه (215)
(5) صحيح مسلم (٧٤٧).
(6) صحيح البخاري (6) ومسلم (2308).
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
اسم الموضوع : إقرأ وارتقي
|
المصدر : الخيمة الرمضانية
